للامانه العلميه بحث في تحقيق تفسير سورة القدر لكل من د محمود ود عبد الله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

للامانه العلميه بحث في تحقيق تفسير سورة القدر لكل من د محمود ود عبد الله

مُساهمة  nana في الثلاثاء أكتوبر 22, 2013 2:01 am

تفسير سورة القدر للإمام محمد بن محمد بن أحمد الأمير المالكي

الدكتور محمود عيدان أحمد الدكتور عبد الله أسود خلف

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد : فان اشرف ما تقضى به الأوقات هو خدمة كتاب الله العزيز، والعمل على نشر أنواره بين البرايا، ودعوة الناس من خلال ذلك إلى التمسك بهذا السبيل المبين، قال تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) (سورة فصلت: 33)، ثم إن مما زاد من قيمة هذا العمل، انه تضمن إحياء نظرات ذات بال في سورة من سور القران لإمام جليل من أئمة المسلمين، العلامة محمد بن محمد بن الأمير المالكي، الذي شهد له القاصي والداني بالعلم والصلاح، وشهد له على ذلك أيضا مصنفاته المتنوعة من فقه إلى حديث إلى تفسير إلى عقيدة إلى نحو إلى بلاغة إلى غير ذلك من العلوم الأخرى.
وقد مضى على تأليف هذا المخطوط أكثر من مائتي سنة، ونحن إذ نقدم هذا المخطوط للمهتمين به نود أن نبين الخطوط الرئيسة التي إنتهجناها في أثناء التحقيق :
• حاولنا قدر الإمكان أن نحصل على أكثر من نسخة للمخطوط فلم نفلح.
• بذلنا جهدنا أن نخرج المخطوط بنفس الصورة التي وضعها المؤلف.
• كانت الإحالة إلى أرقام السور داخل المخطوط، وما سوى ذلك فخارجه.
• قمنا بوضع ترجمة لسائر الأعلام الذين ورد ذكرهم في المخطوط، ما وجدنا إلى ذلك سبيلا.
• قمنا بتخريج الأحاديث الواردة في المخطوط.
الباحثان

وصف المخطوط
مصدر المخطوط : مكتبة الأزهر/ رقم المخطوطة 327349 / تفسير.

أسمه : تفسير سورة القدر.

مؤلف المخطوط : هو محمد بن محمد بن أحمد الأمير المالكي.

حجم المخطوط : يتكون المخطوط من ثماني ورقات كل ورقة تحتوي على ثلاثة وعشرين سطرا.

لون المخطوط: المخطوط مكتوب بالمداد الأسود باستثناء الآيات القرآنية فأنها مكتوبة بالمداد الأحمر.

خط المخطوط : المخطوط مكتوب بخط واضح. وهو أقرب إلى خط النسخ.

تاريخ النسخ واسم الناسخ : يعود تاريخ المخطوط إلى سنة (1215هـ) وكتب في حياة المؤلف الذي توفي سنة 1232هـ.

أما اسم الناسخ، فقد صرح عن نسخه فقال: (تمت بحمد الله القوي وعونه على يد كاتبها الفقير إلى مولاه الغني، علي بن أحمد بن ميرة، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين آمين آمين).
نسخت في 24جمادى الثانية سنة 1215هـ.


تعريف بمؤلف المخطوط
أسمه
هو محمد بن محمد بن أحمد بن عبدا لقادر بن محمد بن عبدا لعزيز السنباوي، المالكي الشهير بالأمير( )، أصله من المغرب.

مولده
ولد بسنو من أعمال منفلوط بمديرية أسيوط في ذي الحجة من سنة (1154هـ).

وفاته
توفي بالقاهرة في العاشر من ذي الحجة سنة (1232هـ).

علمه:
عالم مشارك في العلوم العقلية والتقلية، تتلمذ على كبار علماء عصره في الأزهر الشريف. وأبرزهم :
- الإمام نور الدين أبو الحسن علي بن احمد الصعيدي المالكي، فقد لازمه أكثر من عشرين سنة حتى توفي (رحمه الله)، أخذ على يديه علوم المعقول والمنقول كما نص على ذلك بنفسه( ).
- السيد محمد بن العربي بن السقاط المالكي.
- الشيخ أحمد الملوي صاحب الشرح الشهير السمرقندي في البلاغة.
- الشيخ عبدا لسلام شهاب الدين ابن الشيخ أحمد الجوهري (صاحب منظومة جوهرة التوحيد)، وغيرهم ممن أثبتهم في ثبته المعروف بثبت الامير( ).
وكان شيخنا محمد الأمير معروفا بنباهته وهمته العالية في طلب العلم منذ شبابه، ففي ثبت إجازة شيخه علي بن محمد العربي ما يدل على ذلك دلالة واضحة أذ يقول ((فيقول العبد الفقير المعترف بالعجز والتقصير الراجي عفو ربه العزيز القدير، ومحو ما به من الذنوب أحاط، والفوز عند المرور على الصراط، علي بن محمد العربي السقاط : قد سمع مني الشاب النجيب الأصيل الحبيب الفقيه الجليل الذكي، النبيه النبيل، العالم العلامة، المدرس الفهامة، ذو التآليف الجليلة العديدة، والتقاييد النفيسة المفيدة، والعقل الصائب الخطير، والفهم الثاقب الغزير، ابو عبدا لله محمد بن محمد بن أحمد بن عبدا لقادر بن الأمير الجامع الصحيح لامام الأئمة في الحديث...الخ))( ).
وجاء في إجازة شيخه الصعيدي ما يأتي ().... وبعد: فأنه مما من الله علينا بصحبة الشاب المجد اللوذعي، الأحمد الغواص في المعاني والدقائق، والمبادر لفهم العلوم على وجهها والحقائق، المحصل في العلوم والدراك لها بطرفيها المنطوق والمفهوم، الشيخ محمد الأمير، في المشاركة في العلوم))( ).
بل إن المعية شيخنا لم تكن مقتصرة على العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية بل تعدتها إلى أن شهد له مشايخه ببراعته في علوم الهندسة والهيئة والحكمة.
يقول شيخه وأستاذه الشيخ حسين الحنفي ما نصه : ((.... وبمقتضى ذلك فقد أجزت حضرة عزيزنا المذكور بما يجوز لي وعني روايته، كما أجازه مشايخنا العظام، أفاض الله بركتهم على كافة الأنام، سيما بالفنون التي تتوقف عليا المواقف من الهندسة والهيئة والحكمة، لكونه أهلا لذلك بل فوق ما هنالك))( ).
مؤلفاته
خلف الشيخ محمد الأمير وراءه مصنفات عديدة وحواشي عتيدة كما نص على ذلك مشايخه في إجازاتهم لهم، من جهة وما أورده أهل العناية بإحصاء المؤلفات والمدونات.
وفيما يأتي قائمة بأسماء ما استطعنا التعرف عليه من تلك المؤلفات، مع علمنا وإيماننا أنها لا تمثل جميع ما كتب وألف رحمه الله.
1- كتاب المجموع: ذكره صاحب كتاب اكتفاء القنوع بما هو مطبوع (1/51)
2- ضوء الشموع على شرح المجموع (1/51).
3- حاشية على المجموع (1/51).
4- شرح الأمير على منظومة بهرام في المسائل التي لا يعذر فيها بالجهل، توجد منها نسخة مخطوطة في مكتبة الأزهر تحت رقم (3474 / 101574 / فقه مالكي).
5- الإكليل شرح مختصر خليل في الفقه المالكي (معجم المؤلفين 11/183).
6- تفسير سورة القدر / وهو الرسالة التي نقوم بتحقيقها.
7- انشراح الصدور في بيان ليلة القدر (معجم المؤلفين 11/183).
8- حاشية على رسالة الدردير (معجم المؤلفين9/68).
9- حاشية على شرح الملوي على السمرقندية في البلاغة (معجم المؤلفين 9/68)
10- شرح غرامي صحيح في الحديث (معجم المؤلفين 11/183)
11- حاشية على مغني اللبيب في النحو (معجم المؤلفين 11/183)
12- إتحاف الأنس في الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس في النحو مخطوط في الأزهر تحت رقم (13014)
13- الوظيفة الشاذلية مطبوع بدمشق سنة (1302هـ) (معجم المؤلفين 11/183)
14- ثبت الأمير المالكي /اثبت فيه إجازات شيوخه له / مخطوط في إدارة المخطوطات والمكتبات الإسلامية في الكويت تحت رقم م (20233) مصور عن دار الكتب المصرية تحت رقم (114/ مصطلح / تيمورية)



الورقة الأولى من المخطوط



الورقة الأخيرة من المخطوط


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل لكل شيء قدرا، وأنزل القرآن رحمة وشفا وذكرا، وحث فيه على حسن التدبر والذكرى، والصلاة والسلام على سيد الأنام المختص بمواكب ليلتي القدر والإسرا، وعلى آله وأصحابه وذريته وأحبابه طرا، وجميع أمة أجابته، أدخلنا الله من فضله معهم وحشرنا في زمرتهم يوم القيامة غرا.. آمين.
أما بعد، فيقول الفقير محمد بن محمد الأمير عفا الله تعالى عنه؛ وغفر له ولطف به آمين، هذا ما يسره الله تعالى خدمة لسورة القدر جعلته عدة للمذاكرة فيه بالجامع الأزهر والمسجد الأنور عمره الله بذكره وزاد في تشريفه ورفعة قدره آمين.
فأقول وبالله المستعان : سورة القدر الأرجح أنها مدنية(1)، ورجح بعضهم أنها مكية(2)، فلعله تكرر نزولها تنبيهاً على شرف ليلة القدر.
" بسم الله الرحمن الرحيم أنا" أنَّ يؤتي بها للتأكيد رداً على منكر أو شاك، والمخاطبون فيهم ذلك، فقد قالوا ((من تلقاء نفسي)) (يونس: 15) وقالوا ((أساطير الأولين)) (الأنعام: 25) وقالوا ((تنزلت به الشياطين)) (الشعراء:210)، فرد على جميع ذلك بذكر الإنزال لأنه مختلق، ولا من أساطير الأولين، وإسناد الإنزال لحضرته العلية معبراً بضمير العظمة لمناسبة ذلك للمقام، أي نحن على ما نحن عليه من العظمة أنزلناه، وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون أنهم عن السمع لمعزولون، فضلاً عن أن ينزلوا به وقد أورد بعضهم بحثاً في نظير ما نحن فيه، وهو التأكيد بالقسم في ((والنجم إذا هوى)) (النجم:1)، وهو أن المؤمنين يصدقون خبر المولى بلا قسم ولا توكيد، والكافرون يعاندون ولو تعددت الأقسام والتوكيد، فما فائدة القسم والتأكيد في القرآن؟.
والجواب كما قال النبتيتي(3) منع الأخير، فإن عادتهم الانقياد للأقسام والتأكيدات فربما حصل لهم هداية بسبب ذلك على أن فائدة أنّ لا تنحصر في التأكيد للرد بل قد تكون لغير ذلك، كما بسطه السعد(4) في المطول(5)، نقلاً عن الشيخ عبد القاهر(6)، كالترغيب في تلقي الخبر والتنبيه بعظيم قدره وشرف حكمه.
و(نا) يحتمل أنها للمتكلم ومعه غيره، فأن الله أنزله. والملائكة لهم مدخلية في إنزاله ((نزل به الروح الأمين)) (الشعراء:193)، ((قل نزله روح القدس من ربك بالحق)) (النحل:102) فيكون نظير أن الله وملائكته يصلون على النبي، أي أنا وملائكة قدسنا أنزلناه، وعلى فرض أن الإسناد للملائكة مجازي فلا مانع من الجمع بين الحقيقة والمجاز العقلي في الإسناد، كأن يقال بنا الأمير وعملته المدينة ولا يعترض بالجمع بين القديم والحادث في تعبير واحد فأنه حاصل في ضمير يصلون، ((أليس الله بأحكم الحاكمين)) (التين:Cool ((فتبارك الله أحسن الخالقين)) (المؤمنون:14) ونحوه.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم للخطيب : " بئس الخطيب"(7) لما قال : "من يطع الله ورسوله فقد هدي ومن يعصهما فقد غوي " فلأن الخطب محل أطناب وقيل وقف على قوله ومن يعصهما قبل الجواب.
ويحتمل أن (نا) للمعظم نفسه، فإن كانت مشتركة حقيقة في المعظم نفسه كمن معه غيره فظاهر، وإن كانت في المعظم نفسه مجازاً تشبيهاً له بالجماعة أو استعمالاً لاسم الكل في الجزء فلا يرد أن التشبيه والكلية والجزئية محالات في حقه تعالى، لأنه إنما يلزم المحال لو كانت مشابهة وكلية وجزئية حقيقية، وهذا أمر اعتباري، يعتبر علاقة مصححة للاستعمال، وهذا كما أجاز إلا شاعرة(Cool وصفه تعالى بصفات الأفعال الحادثة كالخلق والرزق والإماتة والأحياء، مع أن اتصافه بالحوادث محال لكن هذه أوصاف اعتبارية لا صفات حقيقية قائمة بالذات حتى يلزم المحذور.
(أنزلناه) يصل ابن كثير(9) من السبعة(10) هذه الهاء بواو الإشباع على أصله، وغيره يقصرها، والضمير للقرآن. قال الإمام الرازي(11) : اتفاقاً، قال الشهاب الخفاجي(12): " وكأنه لم يعتد بقول من قال أنه لجبريل أو غيره لضعفه " وفي الإضمار من غير تقدم ذكر تنبيه كما قال القاضي البيضاوي(13) : "على عظم قدره وشهرة أمره حتى كأنه لا يغيب ولا يحتاج للتصريح كما عظمه بإسناد إنزاله لحضرته بعنوان العظمة وتأكيد الاعتناء سابقاً ولاحقاً بتعظيم الليلة التي أنزل فيها وإنها تنزل فيها الملائكة والروح المأذون لهم لا الشياطين المعزولون كما زعموا". قال الشهاب : " فإن قلت كون الضمير للقرآن والضمير من جملة القرآن يقتضي عوده على نفسه، كما أن الإشارة في نحو ذلك الكتاب يقتضي الإشارة بذلك، لذلك نفسه فأن لفظ ذلك من الكتاب ويقتضي أيضاً الإخبار بجملة إنا أنزلناه عن نفسها "، قلت قال أستاذ مشايخنا السيد عيسى الصفوي(14) قدس سره أنه لا محذور فيه لجواز قولك أتكلم مخبراً عن التكلم بقولك أتكلم وفيه كلام، وقد أفرده الجلال الدواني(15) بالتأليف، ومن ذلك قول المتكلم كلامي صدق يشمل نفس هذه الجملة وقد لا يتكلم بغيرها والظاهر أنها لا تكفي في وجود الموضوع الذي يتوقف صدق الموجبة عليه للدور.
نعم أن التفت للوجود الفرضي أو أريد بها سلب الكذب، فالسالبة تصدق بنفي الموضوع، فليتأمل. أو يقال يرجع الضمير للقرآن، باعتبار جملته بقطع النظر عن أجزائه، فيخبر عن الجملة بـ (أنا أنزلناه) المندرج في جملته من غير نظر له بخصوصه، والجزء من حيث هو مستقل مغاير له من حيث هو في ضمن الكل، كما يقال الشيء في نفسه غيره مع غيره، ولذا قال الكرماني(16) : "الجزء قد يجعل علماً للكل " كما يقال قرأت قل هو الله أحد أي السورة كلها، أي فلا يلزم جعل الشيء علماً على نفسه، ولا يلزم الدور لتقدم الجزء على الكل وتأخر الاسم عن المسمى، لأن تأخره من حيث كونه اسماً كما قال البيضاوي في كون (الم) اسم السورة مثلاُ، ونظيره لفظ سورة في لفظ ((سورة أنزلناها)) (النور:1)، ولفظ القرآن الواقع في نظم القرآن.
لكن أورد على القاضي أنه وقع جزءاً من حيث كونه اسماً فبقي البحث، ولذا منع أصل البحث ومستند المنع : ((ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)) (الصف:6)، وقد سمي به قبل وجوده، والتأويل وجعلها تسمية معلقة خلاف الظاهر وأجاب الشهاب عما أورد على القاضي بأن جزئيته من حيث كونه اسماً، إنما ينتج تأخره من حيث وصف الجزئية، وهذا لا ينافي تقدم ذاته في نفسه فليتأمل، ولا حاجة لأن يقال الضمير راجع له ماعدا قوله (إنا أنزلناه). بل لا حاجة في العربية لمثل هذا التعمق من أصله انتهى ببعض إيضاح وتصرف.
ثم الإنزال، إن كان إنزاله في صحف مطهرة منسوخة من اللوح المحفوظ بأيدي سفرة كرام بررة من الملائكة، حتى وضع في بيت العزة من سماء الدنيا جملة واحدة فظاهر، وما ذكرناه من أن بيت العزة في سماء الدنيا، هو ما في الدر المنثور وغيره. وفي الشيخ زاده على البيضاوي : أنه في السماء السابعة فلعله متعدد، ثم أنزل مفرقاً بحسب الوقائع في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين، عدة فتور الوحي بين اقرأ والمدثر، ليستفيق ويتشوق، ثم نزل قم فأنذر بياناً للمراد من اقرأ.
وإن المراد اقرأ على قومك فهي نبوة ورسالة معاً خلافاً لمن قال بتأخر الرسالة، وعاد بتوقيف إلى ترتيبه الذي في اللوح المحفوظ كأسماء السور بتوقيف، فإن جبريل كان يدارسه إياه كل عام في رمضان فيمحو الله ما يشاء ويثبت، حتى كان عام وفاته دارسه مرتين إشارة لثبات الأمر هو، وقيل المعنى ابتدأنا إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم تلك الليلة بناء على أن البعثة في رمضان، ولا ينافيه قولهم على رأس أربعين سنة، فقد قيل ولد في رمضان، وعلى أنه في غيره كربيع، قيل بإلغاء الكسر أو جبره.
على أن بعضهم يرى تنقل ليلة القدر في غير رمضان، وقيل المراد أنزلناه في شأن ليلة القدر، والتنبيه على شرفها. والقرآن اسم للقدر المشترك بين الكل وأبعاضه، فيكون كقول عمر(17) لما كرر نداء النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجبه لشغل، فركض دابته وقال: " لقد خشيت أن ينزل في قرآن"(18)، وقول عائشة(19) في قصة الإفك : "وإني لأحقر في نفسي من أن ينزل الله فيّ قرآناً يتلى"(20)، وفي القرآن ((وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء)) (النساء:127) قال الشهاب عند قول القاضي في ديباجة التفسير: " الحمد لله الذي أنزل" الخ ما نصه على النسخة التي بيدي منه: " والنزول، وإن استعمل في الأجسام والأعراض لا يوصف به الألفاظ إلا باعتبار محالها، والقرآن من الأعراض الغير القارة (أي المستقرة)، فلا يتصور إنزاله ولو بتبعية المحل، فهو مجاز متعارف على مبلغه، كما يقال : نزل حكم الأمير من القصر، أو التنزيل مجاز عن إيجابه من الأعلى رتبة إلى عبده تدريجاً، فالتجوز في الظرف أو الإسناد أو ما رأيت فيه، ولا يخلو عن شيء.
والذي يظهر أن نقول: القرآن كلام الله تعالى مقر بالألسنة ومحفوظ في الصدور، أن الكلام لفي الفؤاد، فأما الكلام اللفظي فهو من الأعراض غير القارة كما قال الشهاب، ولا يصح أن يعتبر حال النزول الذي حقيقته حركة من الأعلى إلى الأسفل ولا باعتبار محله، إلا إذا ثبت أن الملك حال حركة النزول متكلم بألفاظ القرآن الذي نزل به قبل الوصول إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-، ودونه خرط القتاد، فإن ثبت ذلك فيقال : الحركة أما كونان، أو كون أول في حيز ثان، وكل جزء من اللفظ إنما له كون أول في محله، وهو في حيزه الأول باعتبار كون العرض، فلا تعقل حقيقة الحركة بالتبعية، كما في بياض الجسم لقراريته، ولو بتحد الأمثال إن قلنا بعدم بقاء الأعراض.
نعم المحل في ذاته يتحرك، وأما إن اعتبرنا الكلام النفسي، فالظاهر أنه قار الذات قائم بالنفس إجمالاً أو تفصيلاً، على أن الذهن يقوم به المفصل، ومما يقرب لك ذلك أن رسم البسملة مثلاً يكون تدريجياً، وإذا نظرت إليه ببصرك شاهدتها دفعة، فكذلك ارتسام الألفاظ في النفوس، فالكلام النفسي قار، كالبياض يوصف بالحركة تبعاً لمحله لكنه لا يخرج عن المجاز والقول بأن التبعية لا تنافي الحقيقة كما في راكب الدابة والسفينة يتحرك بتبعيتهما، وينسب له التحرك حقيقة استناد لقياس مع الفارق، فإن الراكب جسم، والعرض لو اتصف بالحركة حقيقة لزم قيام العرض بالعرض، والمشهور منعه، وأما التجوز في الظرف بحمل التنزيل على الإيحاء فظاهر.
نعم الظاهر بعد ذلك كله أنه صار حقيقة شرعية، بدليل عدم قبول النفس شرعاً، ومن علامات المجاز صحة النفي على أن هذا كله باعتبار أحوالنا، وحال نزول الملك وإنزال الوحي مجهول لنا على الحقيقة والتفصيل، فتدبر.
واصل الإنزال ما كان دفعياً، والتنزيل تدريجي هذا هو القالب عند التجرد عن القرائن، والهمزة والتضعيف وإن كانا أخوين في أصل التعدية، لكن الفرق بينهما بذلك معهود، كما في أعلمته الخبر، وعلمته الحساب، فليتأمل.
(في ليلة القدر) الليلة واحدة الليالي، زادوا يأتي جمعهما على غير قياس، كما زادوها في تصغيرها لييليه، لأن التصغير والتكبير أخوان. وفي مغنى اللبيب(21) : زيادة الباء مبنية على ليلاه، بمعنى ليلة كما في القاموس(22)، وقيل تصغيرها على الأصل، كما في قول أبي الطيب(23):
أحاد أم سداس في آحاده لييلتنا المنوطة بالتناد(24)
وفي النبتيتي على ألغيطي(25) في قصة الإسراء نقلاً عن ابن حجر(26): أن الليل قاصر على أهل الأرض للراحة وليس في السماء، وقوله تعالى(يسبحون الليل والنهار)) (الأنبياء:20) كناية عن الدوام انتهى.
فهو نظير بعض ما قيل في ((ما دامت السموات والأرض)) (هود:107) وقال أهل الهيئة: الليل ظل كرة الأرض في ضوء الشمس، وهو مخروط يمتد في شيء من فلك القمر، فهو عرض كالنور يقوم بالهوي، والأشعة نور قوي، ومن البعيد قول السنوسي(27) في شرح كبراه(28): أنها جواهر متصاغرة متضامة، ومعرفة السابق خلقاً من الليل والنهار يحتاج لسمع، وقوله تعالى ((وآية لهم الليل نسلخ منه النهار)) (يس:37) لا يدل لأحدهما، وقد تعرضنا لذلك في تفسير الفلق مما كتبناه للمعوذتين، وأما ((ولا الليل سابق النهار)) (يس:40) فمعناه أنه لا يأتي قبل ما قدر له، وأما ظلمة العدم فشيء آخر، وإضافتها للقدر أما بمعنى الشرف والعظم، أو بمعنى تقدير الأمور، أي إظهار تلك الشؤون في دواوين الملأ الأعلى ومواكبهم، وإن كان المولى قضى الأمور أزلا كما علم.
والقدر وإن كان أصله الإيجاد، والتقدير تعلق القدرة حادث عند الأشاعرة، والقضاء قديم كما في نظم الأجهوري(29) المشهور، لكنهما نظير الفقير والمسكين والظرف والجار والمجرور، وقيل القدر بمعنى الضيق من قوله ((فقدر عليه رزقه)) (الفجر:16) ((أيحسب إن لن يقدر عليه)) (البلد:5) لضيق القضاء بازدحام مواكب الملائكة فيها، وإن قلنا أن الملائكة(30) جواهر نورانية لطيفة تتشكل وتتداخل فلا مانع أنهم يتشكلون في مواكبها بلا تداخل إظهار لابهتها.
وإذا وقف القارئ على (القدر) فالأرجح التفخيم، لزوال علة الترقيق، أعني الكسر، وثقل استصحاب السبب. نعم إن وقف بالروم أو وجد سبب الترقيق كالياء في الخير والكسرة في الذكر والإمالة في الدار رقق، قال في حرز الأماني ووجه التهاني(31)
وترقيقها مكسورة عند وصلهم وتفخيمها في الوقف أجمع أشملاً
ولكنها في وقفهم مع غيرها ترقق بعد الكسر أو ما تميلا
أو الياء تأتي بالسكون ورومهم كما وصلهم قابل الذكاء مصقلاً(32)

وليلة القدر باقية على الصحيح خلافاً لمن قال برفعها، لحديث (خرجت لأعلمكم بليلة القدر فتلاحا فلان وفلان فرفعت)(33) ورد بأن النبي() رفع تعيينها بدليل أن في آخر الحديث نفسه(وعسى أن يكون خير لكم فالتمسوها في العشر الأواخر)(34) إذ رفعها بالمرة لا خير فيه، ولا يتأتى معه التماس أن قلت الرفع بسبب الملاحاة يقتضي أنه من شؤم الملاحاة فكيف يكون خبرا ؟ قلت هو كالبلاء الحاصل بشؤم معصية بعض العصاة، فإذا تلقى بالرضي والتسليم صار خيراً. إن قلت فما هو الذي فات بشؤم الملاحاة؟ وما هو الخير الذي حصل؟ قلت الفائت بمعرفة عينها حتى يحصل غاية الجد والاجتهاد في خصوصها، والخير الذي حصل هو الحرص على التماسها حتى يحيي ليالي كثيرة.
في الجملة قالوا(35): أخفى الرب أموراً في أمور لحكم: ليلة القدر في الليالي لتحيى جميعها، وساعة الإجابة في الجمعة ليدعوا في جميعها، والصلاة الوسطى في الصلوات ليحافظ على الكل، والاسم الأعظم في أسمائه ليدعى بالجميع، ورضاه في طاعاته ليحرص العبد على جميع الطاعات، وغضبه في معاصيه لينزجر عن الكل، والولي في المؤمنين ليحسن الظن بكل منهم، ومجيء الساعة في الأوقات للخوف منها دائماً، وأجل الإنسان عنه ليكون دائماً على أهبته، فعلى هذا يحصل ثوابها لمن قامها ولو لم يعلمها.
نعم العالم بها أكمل، هذا هو الأظهر، قالوا ويسن لمن علم بها أن يكتمها ووجهه الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لم يعينها، وقد قالوا أعلمه الله بكل ما أخفي عنه، بل في الحديث (تخلقوا بأخلاق الله)(36) ثم اختلفوا في لزومها ليلة، فقيل أنها آخر ليلة من رمضان للعتق فيها بقدر ما مضى، وقيل أول ليلة منه، وقيل ليلة النصف من شعبان، وتنقلها في العشر الأخير أو تارة، وهل العدد باعتبار ما مضى أو ما بقى، فيختلف بكمال الشهر ونقصانه، أو في جميع رمضان أو في العام كله. قال الخطيب في تفسيره حتى لو علق طلاق امرأته أو عتق عبده على ليلة القدر لا يقع ما لم تنقض سنة من حين حلفه، يروى ذلك عن أبي حنيفة(37) انتهى.
قلت: المالكية لا يوافقون على ذلك في الطلاق، لأن قاعدة مذهبهم تجيز ما علق على مستقبل محقق الوقوع لئلا يكون كنكاح المتعة(38)، والمشهور عن أبي ابن كعب(39) وابن عباس(40) وكثير أنها ليلة السابع و العشرين، وهي الليلة كانت صبيحتها وقعة بدر(41) التي أعز الله بها الدين، وأنزل ملائكته فيها مدداً للمسلمين، وأيده بعضهم بطريق الإشارة بأن عدد كلمات السورة ثلاثون كأيام رمضان، واتفقا كلمة (هي) تمام سبعة وعشرين، وأراد الكلمات الأدائية التي ينطق بها في أداء التلاوة دفعة، وإن احتوت على كلمات كـ (أنزلناه).
وطريق آخر هو إن حروف ليلة القدر تسعة، وقد ذكره في السورة ثلاث مرات، وثلاثة في تسعة بسبعة وعشرين. ونقل عن بعض أهل الكشف ضبطها بضبط أول الشهر من أيام الأسبوع، ومع كونه لا مستند له في الحديث قد أخر طريق أقوالهم فيه أيضاً، وقال سيدي أحمد زروق(42) وغيره لا تفارق ليلة جمعة من أوتار آخر الشهر، ونقل نحوه عن أبن العربي(43)، وفي تفسير الخطيب(44) عن أبي الحسن الشاذلي(45) أن كان أوله الأحد فليلة تسع وعشرين، أو الاثنين فإحدى وعشرين، ثم استعمل الترقي، والتدلي في الأيام فالثلاث سبع وعشرون، والأربعاء تسعة عشر، والخميس خمس وعشرون، والجمعة سبعة عشر، والسبت ثلاث وعشرون، وورد في الحديث (أن من أحسن ما يدعي به في تلك الليلة العفو والعافية)(46) فإن العافية المعافاة مما يكره في الدين والدنيا والآخرة، وورد من صلى المغرب والعشاء في جماعة فقد أخذ بحظ وافر من ليلة القدر)(47)، وورد (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام شطر الليل فإذا صلى الصبح في جماعة فكأنما قام شطره الآخر)(48) وينبغي لمن شق عليه طول القيام أن يتخير ما ورد في قراءته كثرة الثواب كآية الكرسي فقد ورد(أنها أفضل آية في القرآن)(49) وكالثلاث أو الآيتين من آخر سورة البقرة، فقد ورد (من قام بهما في ليلة كفتاه)(50) وكسورة إذا زلزلت ورد (أنها تعدل نصف القرآن)(51) وكسورة الكافرون أنها (تعدل ربع القرآن)(52) والإخلاص (تعدل ثلث القرآن)(53) ويس ورد (أنها قلب القرآن)(54) وأنها لما قرأت له، وبكثير من الاستغفار والتسبيح والتحميد والتهليل وأنواع الذكر والصلاة على النبي()، ويدعوا بما أحب لنفسه ولأحبائه أحياءً وأمواتاً، ويتصدق بما تيسر له، ويحفظ جوارحه من المعاصي هذا هو الأحياء الذي يغفر به ما تقدم من ذنبه لا أنواع اللهو واللعب، نسأل الله التوفيق والقبول والرحمة بفضله.
(وما أدراك ما ليلة القدر) أي ما مقدار شرفها بدليل ما بعده لا ما حقيقتها كمدة مخصوصة من الزمن، وفي حقيقة الزمن خلاف مشهور حتى قيل أنه من مواقق العقول، ومزالق الفحول، كالروح والمكان ونظائرهما سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، ولولا خوف ملل الطول لسقنا في ذلك شيئاً من النقول وما نقول، وقد تعرضنا لذلك في حواشي الشيخ عبد السلام(55) على جوهرة التوحيد(56)، والاستفهام هنا للتفخيم والتعظيم كأنه لا يحاط بقدرها. قال سفيان ابن عيينة(57) أن كل ما في القرآن من قوله (وما أدراك) اعلم الله به نبيه صلى الله عليه وسلم وما فيه، (وما يدريك) لم يعلمه به، ولما نقل البخاري(58) في صحيحه هذا الكلام عن سفيان تعقبه بعض شراحه بقوله تعالى في حق ابن أم مكتوم(59) ((وما يدريك لعله يزكى)) (عبس:3) ((وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً)) (الأحزاب:63) ونحوه، وقد قالوا لم يخرج -صلى الله عليه وسلم- من الدنيا حتى أعلمه الله تعالى بوقت الساعة، وبكل ما أخفى عنه مما يمكن البشر علمه، وأما التسوية بين علمه وعلم الله تعالى فكفر كما وضح في محله أقول الظاهر أن مراد سفيان إعلام الله تعالى في ذلك السياق نفسه كما هنا، وكما في آية القارعة وآية (وما أدراك ما الحطمة)) (الهمزة:5) ((وما أدراك ما العقبة)) (البلد:12) ((وما أدراك ما يوم الدين)) (الانفطار:18) ونحوها فلا يرد البحث أن قلت يرد ((وما أدراك ما الحاقة)) (الحاقة:3) فأنه لم يعلم بها في نفس السياق قلت قوله ((كذبت ثمود وعاد بالقارعة)) (الحاقة:4) إعلام بها لأنها التي تفزع القلوب، وقد قال المفسرون(60): أنه إظهار في موضع الإضمار لبيان وصفها، ولما تم استطراد طائفة من المكذبين بها بينت بقوله تعالى(فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة)) (الحاقة:13) الخ.
(ليلة القدر خير من ألف شهر) وأورد أن هذه المدة لا بد فيها من ليالي قدر، فيلزم تفضيل الشيء على نفسه وغيره، وأجيب بأن المراد ألف شهر ليس فيها ليلة قدر؛ ولا مورد للسؤال من أصله إلا لو كان المراد ألف شهر من مدد هذه الأمة، وليس بلازم إلا أن يكون هذا مراد المجيب أي التفضيل على مطلق العدد في ذاته.
والألف قيل المقصود منها مطلق الكثرة، وقيل أخبر صلى الله عليه وسلم باسرائيلي عبد الله أو جاهد هذه المدة وهي ثلاث وثمانون سنة وثلث، فكأنه استقصر أعمار أمته فأعطي ليلة القدر(61)؛ فهي من خصائص هذه الأمة، ولا يقال لا بد من تقدير الأمور لغير هذه الأمة أيضاً ؛لأنا نقول اللازم المشترك التقدير الأزلي، وأما إظهار تلك الشؤون في الملأ الأعلى على الوجه المخصوص فلا ما نع فيه من الخصوص، وقيل حكمة تخصيص العدد أنه صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية في صورة قردة تثب على منبره الشريف في بعض مرائيه المنامية التي عبرت له فكأنه تأسف على مدة ملكهم وهي هذا القدر فأعطي ليلة القدر جبرا لذلك؛ ذكره السيوطي(62) في الدر المنثور وغيره.
وتفضيلها مما احتوت عليه من مضاعفة ثواب الحسنات؛ وإجابة الدعوات؛ وكثرة النفحات؛ والتجليات ونزول الرحمن؛ وغير ذلك مما فصل بعضه أو كله يعد وإن تساوت حقائق الأزمنة والأمكنة، لكن يفضل ما شاء بما شاء، وقد اختلف في المفاضلة بينهما وبين ليلة الإسراء؛ فإن هذه شرفت بنزول الكلام وليلة الإسراء؛ رأى فيها المتكلم جل جلاله حتى قال بعضهم: ليلة الإسراء أفضل في حقه؛ وليلة القدر أفضل في حق أمته، وكذا الخلاف بين الليلتين وبين ليلة مولده الشريف، فأنه مبدأ كل فضل؛ ومظهر كل تشريف.
قال بعض المحققين: وعلى تقدير تفصيل إحدى الليلتين على ليلة القدر معناه: (تفضيل خصوص تلك الليلة التي ولد فيها بعينها، وخصوص تلك الليلة التي أسري فيها، أما نظيرتهما من كل عام، فليلة القدر أفضل فلا ثمرة في ذلك باعتبار الحرص على الأعمال وإنما هو مجرد معرفة قدر؛ واعتقاد لا حرج فيه إن شاء الله).
(تتنزل) أصله تتنزل قال في الخلاصة(63) :
وما بتأين ابتدي قد يقتصر فيه على تكتبين العبر

والبزي(64) راوي ابن كثير من السبعة يشدد بإدغام التاء في التاء إذا وصله بما قبله، فيلزم التقاء الساكنين مع تنوين شهر، ويجري قول صاحب حرز الأماني :
وإدغام حرف قبله صح ساكن عسير وبالإخفاء طبق مفصلا (65)

أي إخفاء السكون حتى كأن هناك حركة خفية.
(الملائكة) جمع ملك، والتاء فيه لتأنيث الجمع، وإذا حذفت امتنع صرفه، وبه يلغز فيقال: كلمة إذا حذف من آخرها حرف امتنع صرفها، وأصل ملك ملاك. قال الشهاب في تفسير سورة البقرة وقد ورد على الأصل قول الشاعر:
وليست لأنسي ولكن لملاك تنزل من جو السما فصوباه(66)

، واختلف في وزنه فقال ابن كيسان(67) فعال، فالهمزة زائدة، ومادته تدل على الملك والقوة والتمكن، وقيل مفعل من لاكه أرسله كما في القاموس، وقيل مقلوب من الآلوكة وهي الرسالة.
(والروح) قيل: جبريل(68) فهو عطف خاص لشرفه، وقيل ملك آخر عظيم الخلقة، وقيل نوع مخصوص منهم، وقيل خلق آخر غير الملائكة، وقيل أرواح بني آدم، وقيل عيسى ينزل مع الملائكة، وقيل القرآن قال تعالى وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا)) (الشورى:52) إلى غير ذلك.
(فيها) فتفتح فيها أبواب السماء للتنزل كما ورد؛ وبذلك يتحدث الناس عنها ممن يرى بعض ذلك ؛ وتستطع الأنوار؛ ويحصل تجل عظيم؛ حتى قيل تعذب المياه الملحة في البحار؛ ويطلع الله من شاء؛ ويحجب من شاء.
(بإذن ربهم). قد تعرضنا في شرح رسالة البسملة(69) لتعريف كلمة رب، وما يتعلق بها.
(من كل أمر) قرئ شاذاً من كل أمر ٍ أي من أجل شأن كل إنسان وما قدر له.
(سلام هي) أي ذات سلامة من الآفاق لا يقدر فيها إلا الخير، والتوقف بأنه يقع فيها آفات لا بد من تقديرها مردود بما علمت أن التقدير اللازم العام أزلي، والمراد هنا إظهار المقادير في مواكب الملأ الأعلى، وجاء تخصيصه بأنواع النعم والخيرات وبدائع التفضل؛ وعظائم النفحات، ويحتمل ربط (هي) بما بعده وربط (سلام) بما قبله أو يقدر له، وقيل المراد سلام الملائكة على المؤمنين في زيارتهم إياهم واستغفارهم لهم تداركاً لقولهم ((أتجعل فيها من يفسد فيها)) (البقرة:30) لما بين الله لهم من حالات المؤمنين ما لا يفعلون.
(حتى مطلع الفجر)، قرأ ألكسائي(70) من السبعة بكسر اللام، والباقون يفتحونها، وفخمها منهم ورش(71)، وما بعد (حتى) داخل حكماً فيما قبلها، فقد ورد كما في الدر المنثور(72) أن يومها في الفضل كليلتها، وأن الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان إلا صبيحة ليلة القدر، وتكون صافية نقية؛ ولا ينافيه تصفيد الشيطان في رمضان كما توهم ؛ إذ قد تطلع بين قرنيه وهو مصفد على تسليم عموم التصفيد على حقيقته، وقد ورد : (من قال لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم ثلاث مرات كان كمن أدرك ليلة القدر)(73)؛ فينبغي الإتيان بذلك كل ليلة، ونسأل الله تعالى من فضله العفو والعافية فأنه عفو كريم يحب العفو آمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

nana

عدد المساهمات : 126
تاريخ التسجيل : 19/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى